نهاية «نيو ستارت» وبداية «العصر النووي الثالث».. ماذا ينتظر العالم؟
بانتهاء أخر المعاهدات المقيدة كماً وكيفاً لخفض الأسلحة النووية، في الخامس من الشهر الجاري، بين واشنطن وموسكو، تتبلور ملامح الدخول لعصر نووي جديد سمته الرئيسية انفلات تطوير وتكديس أخطر ما توصل له العقل البشري من سلاح، قادر على إنهاء الحضارة البشرية، بل الجنس البشري ككل.
المعاهدة التي قد أبرمت بين العاصمتين في 2010، كانت قد أتت كتتويج لجهود قد أعقبت تفكك الاتحاد السوفيتي، وانتفاء الحاجة لاستمرار استراتيجيات “الرعب النووي” و”التدمير المؤكد المتبادل” وغيرها من عقائد واستراتيجيات تدميرية ميزّت “العصر النووي الأول” الذي تلا جريمتي هيروشيما ونجازاكي وحتى مطلع تسعينيات القرن الماضي.
أتت معاهدة “نيو ستارت الجديدة” وقتها كمسار يهدف لتقييد ومراقبة الأسلحة النووية الهجومية وخاصة الاستراتيجية منها، بتخفيض ترسانة كل من القوتين النوويتين، بنسب وصلت إلى 50% لوسائل الإطلاق و30% من الرؤوس النووية، لمدة 10 سنوات قابلة للتجديد تلقائياً، وهو ما أعتبر وقتها إنجاز تخطى الاتفاقيات المشابهة أثناء وقبيل انتهاء الحرب الباردة.
إلا أن التطورات اللاحقة على مستويات داخلية وخارجية في كل من البلدين وبينهما، كذلك غيرهم من القوى النووية التي تختلف مقاربات وعقائد تطويرها واستخدامها وفق متطورات شديدة الخطورة والسرعة، ناهيك عن مشهدية الصراعات الدولية خلال العقد الماضي ومحطات العقد السابق عليه، والذي قُزمت خلاله الشعارات والتعهدات والأهداف السابقة، إلى مستوى اختلاق ذرائع تحت عنوان الحد من انتشار الأسلحة النووية لشن حروب وفرض عقوبات.
السابق جعل إمكانية تمديد المعاهدة أو مثيلاتها، خلال السنوات القليلة الماضية، مشكوك في إتمامه وجدواه، خاصة مع مواقف مختلف الأطراف المعنية، خلاصتها أن عصر الانضباط النووي قد ولى بغير رجعة.
يلاحظ أيضاً أن الوصول لتوقيع هذه المعاهدة قد أستغرق أكثر من 20 عاماً، وهي الفترة التي سميت، بـ “العصر النووي الثاني”، والذي ظاهرياً استهدف تخفيض والحد من انتشار الأسلحة النووية، حتى وإن قامت حروب وفق هكذا ذرائع. بينما ما حدث أفضى فعلياً إلى سيادة مناخ من التشكك وانعدام الثقة في جدوى مثل هذه الاتفاقيات، وهو ما حدا بمتخصصين ومراقبين بإضفاء سمات مثل اللايقين والمحدودية وقصور فاعلية هكذا اتفاقيات، على ما سُميَ بـ “العصر النووي الثالث“، والذي من الممكن اعتبار الخامس من فبراير 2026 بدايته الرسمية.
قراءة أولية لسمات العصر النووي الثالث
تبدو الأرقام الحالية حال مقارناتها بمثيلاتها من الحرب الباردة، مطمئنة ظاهرياً، حيث انخفاض عدد الرؤوس النووية بأنواعها لدى كل من الولايات المتحدة وروسيا، وثبات نسبي لباقي الدول النووية عند حد معين طيلة العقدين الماضيين. ولكن التطورات المتلاحقة في السنوات الخمسة الأخيرة، أتت بموازاة خروج مسألة الحد من انتشار وزيادة الأسلحة النووية، من إطار الاتفاقيات والقرارات والمواثيق والمعاهدات الدولية بأنواعها، إلى فضاء فوضى الاحتمالات المصاحبة للمتغيرات البنيوية في هيكلية القوى الدولية وشكل العلاقات بينه.
من هذه المتغيرات غياب الشفافية وقنوات الاتصال بأنواعها بين القوى النووية. جعل تعدد الأقطاب محفز ليس فقط لزيادة أعضاء النادي النووي بلا قيود وأحياناً كسبيل شبه وحيد للبقاء، بل تطوير الترسانة النووية حالياً كماً وكيفاً، بمعزل عما تحدده معادلة العلاقات بين واشنطن وموسكو، وإدخال باقي الدول النووية وعلى رأسها الصين في هذه المعادلة، ما يعني هشاشتها وتعقيدها بشكل لا تصلح اتفاقيات ومعاهدات الحد من الانتشار وخفض الأسلحة النووية في إبقاءه ضمن حدود الامتلاك وليس الاستخدام.
المشترك بين سياقنا هذا وبين مجريات مشهد الصراعات الدولية، هو اللايقين؛ حيث عدم وجود محددات توضح الحدود بين امتلاك سلاح نووي وبين استخدامه.
فمثلاً مبادئ/ عقائد كل من واشنطن وموسكو النووية إبان الحرب الباردة، حتى وإن كانت مرعبة مثل “التدمير المؤكد المتبادل” أو “القدرة على توجيه ضربة ثانية”، أتت في سياق توازن رعب كل من طرفيه قادر على تدمير الأخر- والعالم- بشكل حتمي، وبالتالي التفكير فيه كخيار صفري وليس خيار ضمن خيارات كلما عجزت الأسلحة التقليدية عن حسم خلاف دولي أو إقليمي، وهو ما تم التلويح به أكثر من خلال محطات الحرب في أوكرانيا، مروراً بجولة الاقتتال المحدودة -لحسن حظنا جميعاً- بين الهند وباكستان، وصولاً إلى حرب الـ12 يوم بين إيران وإسرائيل، حيث أوحت الأخيرة أن قصور أسلحتها التقليدية فائقة التطور يجبرها على استخدام السلاح النووي لتدمير البرنامج النووي الإيراني، حال عدم تدخل واشنطن مباشرة واستخدامها لأم القنابل التقليدية GBU57عبر قاذفات بي2.
يضاف إلى السابق التطور الفائق في مختلف المجالات التي تتقاطع مع الأسلحة النووية؛ مثل إدماج تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ووسائل الحروب السيبرانية في أنظمة التشغيل والتطوير والإنذار وما يصاحبها من مخاطر ناتجة عنها ومحتمل حدوثها، كذلك التطوير المتسارع لمنصات الإطلاق أو ما يسمى بـ “الثالوث النووي”، أي الغواصات والطائرات والصواريخ القادرة على حمل وإطلاق أسلحة نووية، ما جعل موازين الردع المتبادل مختلّة وبالتالي جعل إمكانية استخدامها دون عواقب ممكن. والأهم والأخطر التلويح باستخدام الأسلحة النووية التكتيكية في حسم الصراعات والخلافات وما أكثرها في مختلف أقاليم العالم، وهو ما يجعل إمكانية الاستخدام تتلازم مع توفر الحيازة والقدرة، عكس ما حدث في العصر النووي الأول، وتحلل الاتفاقيات والمعاهدات والأعراف التي سادت نسبياً في العصر النووي الثاني.
يلخص الجدول التالي الفارق بين العصر النووي الثاني والثالث:
توسيع وتنويع وتطوير.. فاستخدام؟!
تقديم ساعة يوم القيامة النووية لـ85 ثانية قبل أفول الحضارة البشرية، لم يحدث حتى مع أقصى مراحل التصعيد والوقوف على حافة الحرب النووية، بما في ذلك الأزمة الكوبية، وهو ما يتخطى المقاربات المعتادة للمسألة النووية، إلى أفاق مرعبة حدودها “العقلانية” تتمثل في دعوات متعدد الأطراف لكسر حظر التجارب النووية بأنواعها، سواء لتجريب وتطوير وزيادة المخزون الحالي وفق سباق تسلح وليس ردع متساوي، بخلاف الطموحات السياسية والشعبوية لمختلف التيارات والأنظمة داخل الدول التي تمتلك أسلحة نووية بالفعل. والتي تساق وفق منطق أن امتلاكهم لمخزون استراتيجي من هكذا أسلحة يبيح لهم الانخراط المستمر في صراعات تقليدية عنيفة، وفق معادلة ردع قديمة، تتأكل باطراد، مفادها أن الطرف الأخر لن يجرؤ على التصعيد النووي بالمقابل، حتى وإن كان رأس نووي تكتيكي صغير.
في هذا السياق، فإن الطفرة التي تتم بوتيرة متسارعة خلال سنوات قليلة بخصوص الأسلحة النووية التكتيكية، سواء كتطور تكنولوجي، أو في تعديل سردية ضروريات استخدامها والتخفيف من خطورتها كونها أقل تدميراً من نظيرتها الاستراتيجية، وما يتبعهم من كسر الحاجز النفسي والتقني وتغير العقائد العسكرية النووية، حيث اعتياد استخدام الأسلحة النووية التكتيكية بوصفها قوة نيرانية فائقة في الميدان، والذي يعني، حال حدوثه التطبيع، مع استخدامه بحجة محدوديته النسبية مقارنة بالنووي الاستراتيجي.
مؤخراً، يتم الدفع بالسابق من مختلف الأطراف النووية، كتهديد قائم ومحتمل يصل إلى طور الاستخدام الفعلي، وليس رادع ذهني يوضح خطورة استخدام هكذا سلاح في الصراعات الدولية الجارية من شرق أوربا لجنوب شرق آسيا لشبه الجزيرة الكورية ناهيك عن الشرق الأوسط، أو حتى القطب الشمالي في المستقبل المنظور.
هنا نجد أن المتغير الأهم في العصر النووي الثالث، يتلخص في احتمالية انتهاء ما يطرحه رواد ومفكري “الواقعية الهيكلية” مثل جون ميرشماير و ستيفن والت و باري بوزان، من أن حسم الصراعات عسكرياً يتم عبر الجيوش التقليدية، وأن التطرق للأسلحة النووية خارج نطاق الردع التقليدي الغير مستخدم، ماهو إلا تشتيت عن بحث وتنبؤ وقائع الصراعات الحالية التي لا تزال الأسلحة التقليدية وتطوراتها -المسيرات، الحروب السيبرانية إلخ- مهيمنة عليها.
بالمقابل، يرى رواد ومقكري مدرسة “الواقعية الاستراتيجية”مثل لورنس فريدمان و تيودر بوستول وروبرت جيرفيس، أن الاتجاه السابق ناتج عن وهم الفصل بين التقليدي والنووي في الصراعات، وأن مفهوم الردع النووي التقليدي المنبثق من العصر النووي الأول، عند أصحاب “الواقعية الهيكلية”، ليس بضمانة سرمدية، بل ترتيب سياسي هشّ من الممكن أن ينهار في أي لحظة، وأن الرهان المطلق على عقلانية القادة والساسة وصناع القرار في تجنب التصعيد النووي، كسل فكري، يهمل سيكولوجية التصعيد، التي أضحت صفرية طبقاً لمجريات الصراعات الجارية، يدفع نحو استخدام الأسلحة النووية كبديل عن خسارة وجودية في حرب تقليدية مثل الحرب الأوكرانية أو الصراع بين إيران وإسرائيل.
يصف فريدمان السابق بمصطلح “العمى النووي”، وهو باختصار مُخل نقد للاتجاه سابق الذكر، الذي يرى تقادم/أثرية السلاح النووي الذي لم يستخدم منذ أكثر من 80 عام، وسكونه في موقع الرادع ، دون إدخاله في معادلات الصراعات الدولية، والجارية منها على وجه الخصوص، يؤدي إلى تقديرات كارثية تتجاهل في موضع ما وجود الأسلحة النووية أساساً، وكذلك سياسات نتجت عن اختراعها كانت وما زالت تهيمن على مجريات السياسة الدولية، مثل “حافة الهاوية” و”الغموض النووي” و”الظل النووي” و”المساومة بالقوة” وصولاً لسردية مثل “فرض السلام من خلال القوة” التي يطرحها ترامب مؤخراً، وقيام محللي ومنظري الواقعية الهيكلية، بعزل الأسلحة النووية عن وسائل القوة التي يتم المساومة عبرها أو قد يفرض السلام الترامبي من خلالها!
بكين وكسر ثنائية واشنطن وموسكو
أعادت مجريات حملة مكافحة الفساد داخل الحزب الشيوعي الصيني البادئة منذ سنوات ومستمرة حتى الأن، تسليط الضوء على ساعات حرجة عاشتها العاصمة واشنطن قبيل خروج الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من البيت الأبيض عقب انتهاء ولايته الأولى وخسارته أمام جو بايدن قبل 5 سنوات؛ حيث اقتحام مؤيديه لمقر الكونجرس بغرفتيه، ما جعل قنوات الاتصال العسكرية بين رأسي القيادة العسكرية في العاصمتين في تلك الساعات العصيبة هي السبيل الوحيد للتيقن من عدم تطورها لما لا يحمد عقباه، خاصة وأن وقتها كان ترامب ومؤيديه يعتقدون أن جائحة كوفيد19 مؤامرة استخدمت فيها “أسلحة بيولوجية” لإسقاطه وخروجه من المنصب.
سريعاً للأمام، يتضح أن أحد مشرفي قناة الاتصال هذه هو الجنرال، تشانج يوشيا، نائب رئيس اللجنة العسكرية في الحزب، الذي قد أعلن القبض عليه وعزله الشهر الماضي، ضمن الحملة سابقة الذكر، ووفق عدة اتهامات بينها تسريب أسرار نووية للولايات المتحدة الأميركية، والتي لم توضح ماهيتها بالبيانات الرسمية الصينية، فيما تكهن مختصين غربيين أن أحد هذه “الأسرار” هو إفصاحه للطرف الأميركي بشكل ما، سواء في 2021 أو ما تلاها، عن الخط الزمني الذي تسلكه بكين لتطوير ورفع مخزونها من الأسلحة النووية ووسائل إطلاقها وخاصة الصواريخ الفرط صوتية.
في السياق ذاته، فإن ما تعتبره واشنطن “غموض غير بناء” فيما يتعلق بالترسانة النووية الصينية وتطويرها، فإن بكين أعلنت خلال العام الماضي، سواء في العرض العسكري في الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي وتدشين ثالوث نووي صيني، أو عبر تصريحات وبيانات رسمية، عن تطوير عقيدتها النووية من حيث القدرة والوصول وكذلك سياسة ودواعي الاستخدام، ولكن دون الإفصاح عن احصائيات وأرقام ترسانتها النووية، والتي يقدرها البعض بين 300 إلى 600 رأس نووي حربي قيد الخدمة والتخزين، مع وجود خطط لتطويرها كماً وكيفاً لتتراوح بين 1000 و1500رأس بحلول 2035.
وعلى أن التكهنات الأميركية هيمنت على الخطوات الصينية النووية في السنوات الأخيرة، رغم إفصاح بكين عبر سياسة “العصر الجديد“ ووثيقة “الورقة البيضاء“ الصادرة أواخر العام الماضي والتي نصت على أن لا تكون الصين البادئ باستخدام الأسلحة النووية، إلا أن هناك شكوك أميركية تتعزز مع الوقت ناحية تطوير الصين لترسانتها النووية بشكل يتجاوز المعتاد من باقي دول النادي النووي، وهو ما تقوم به الأخيرة ليس كمنافسة للثنائي الكبير، ولكن كفرصة خلقتها نافذة تحلل الضمانات النووية بأنواعها وتدرجاتها على مدار العقدين الماضيين، وكرد فعل على المتغيرات الترامبية النووية على مدار السنوات الماضية؛ حيث أتت الخطوات الصينية كالتحاق وقائي وليس هجومي ومن موقع رد الفعل، وبشكل يتناسب مع نمو الصين كقوة كبرى، وتحسين ما يسميه خبراء بـ”تعزيز الحد الأدنى من الردع“.
وخلافاً للتنسيق بين موسكو وبكين على عدة مستويات استراتيجية من ضمناها التنسيق النووي، فإنه على العكس بين واشنطن وبكين؛ حيث يسود مناخ من عدم الثقة والتكذيب في هذا السياق، خاصة مع تصريحات أميركية حول تجارب نووية صينية جديدة، وهو ما تجدد قبيل وعشية انتهاء العمل بمعاهدة نيوستارت، حيث رفضت بكين دعوة أميركية للانضمام لمحادثات ثلاثية تجمع العاصمتين مع موسكو، التي حتى بعد انتهاء فاعلية المعاهدة أكدت التزامها بها شريطة إلتزام واشنطن بها، دون تقديم تنازلات أحادية لتجديدها.
فيما جاء مبرر الصين لرفض الدعوة الأميركية كونها غير معنية لتفاوت هائل في حجم ما تمتلكه من أسلحة نووية وبين الذي تمتلكه واشنطن وموسكو، وأن هناك مسؤولية على العاصمتين في قيادة خفض المخزون النووي لدى كل منهما أولاً قبل الاهتمام بباقي أعضاء النادي النووي، وكذلك أن خضوع الصين لنفس القيود النووية التي تُلزم بها الولايات المتحدة وموسكو بشكل طوعي، يأتي في غير صالحها من الجانب الأمني، حيث يجعلها في وضع غير مكافئ في مختلف الساحات في جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي، اللتان تشكلا ساحتي رئيسيتين للتوسع العسكري الأميركي، ما يعني أن الدعوة الأميركية الأخيرة بمثابة فخ يورط الصين في تثبيت هيمنة واشنطن على المشهد النووي، بالحد من قدرات الصين النووية الغير مكافئة أصلاً للأخيرة وموسكو.
استقراء المستقبل النووي القريب وفق تطورات مفاوضات مسقط-جينيف
من نافلة القول، وخاتمته كذلك، أن اللايقين هو ما يسيطر على المستقبل القريب للصراعات الدولية، والتي باتت مركبة بشكل غير مسبوق؛ حيث تحلل الأطر والمنظومات الدولي والمبادئ المحركة لها، بما في ذلك المواثيق والاتفاقيات المنظمة لمسألة خطيرة مثل الأسلحة النووية. لهذا فإن ما يجري حالياً من مفاوضات معقدة وصعبة بين واشنطن وطهران، قد بصلح كنموذج استرشادي يمكن من خلاله استقراء المستقبل القريب نووياً.
توقيع الميثاق الاستراتيجي الثلاثي بالتوازي مع جولات “الوقت الضائع” التفاوضية بين واشنطن وطهران، يشي باستمرار نمط التنسيق بين الأخيرة وبكين وموسكو، غير أن هذه المرة يحدث بعد متغيرات تبدأ بحرب الـ 12 يوم التي أثبتت عجز الخيار العسكري عن حسم المسألة النووية، بل على العكس دفعت نحو الاتجاه القائل بضرورة امتلاك سلاح نووي كضمانة للبقاء، وتنتهي بمعضلة نهاية نيو ستارت وبداية العصر النووي الثالث وسماته سابقة الذكر.
بلّور هذا توجهات بكين وموسكو تجاه ما تريده واشنطن، وكذلك ما تريد الأخيرة فرضة كنموذج أعمال للمستقبل القريب والمتوسط؛ حيث هيمنة التضفير والتشبيك بين الملف النووي وبين ملفات سياسية لم تعد محصورة بالمنطقة بل تمتد من شرق أوربا وحتى جنوب شرق آسيا وغيرها من ساحات الصراعات الدولية، بمستوياتها العسكرية والاقتصادية، أي أنها لا تنحصر فقط في مثلث طهران تل أبيب واشنطن، ولكن تتسع لتشمل الهند وباكستان، وروسيا وفرنسا وبريطانيا، وصولاً لكوريا الشمالية والصين.
يجعل السابق أعين كل القوى النووية بمختلف تدرجاتها وسياساتها وعقائدها النووية، على مفاوضات مسقط-جينيف، التي تأتي كفرصة اخيرة لأنعاش مسارات الانضباط النووي التي تحللت خلال العصر النووي الثاني، والبناء عليها – حال الوصول لاتفاق- لتشكل ملمح لمسارات خفض التصعيد في المنطقة والعالم فيما يتعلق بجيوبولتيك الطاقة والملاحة وغيرهم من المجالات التي باتت متقاطعة بشكل لم يحدث من قبل، وليس فقط خفض الأسلحة النووية والحد من انتشارها كحد أدنى.
يعني هذا أن بكين وموسكو يراهنوا على الواقعية الجيوسياسية وتفعيل مبدأ مونرو بصيغته الترامبية الانعزالية، ستجعل واشنطن تقبل بطهران كدولة “عتبة نووية” كأمر واقع على غرار ما حدث مع نيودلهي وإسلام أباد وبيونج يانج. وهذا الرهان لديه سيناريوهات محدودة تتراوح بين ذهاب طهران نحو إجراء تجربة نووية وبالتالي انهيار عصر الانضباط النووي بلا رجعة وما يتبعه من مخاطر سابقة الذكر، وبين توقيع اتفاق مؤقت جزئي بحدود دنيا متمثلة في خفض التخصيب أو وقفه لفترة مؤقتة بشكل كلي مقابل رفع للعقوبات.
يدل هذا أن تعاطي القوى الكبرى تجاه مفاوضات مسقط-جينيف ليس محصوراً في سردية “الفرصة الأخيرة للدبلوماسية”، ولكن حلقة من سلسلة إجراءات وقرارات تعيد تشكيل ملامح النظام النووي العالمي، بناء على سيولة غير مسبوقة صاحبت هذه المفاوضات الحرجة، في المشهد الدولي والنووي على وجه التحديد؛ حيث ترى بكين أنها سيولة قد تؤمن الانتقال من ثنائية التفوق النووي لكل من الولايات المتحدة وروسيا، يتبعها باقي الدول النووية. وترى موسكو أنها تفتح أفاق قد تنهي هرمية السياسات النووية العالمية التي تترأسها واشنطن، حتى وإن صاحب هذا الرهان احتمالات خطيرة ومجهولة حول التنافس النووي متعدد الأطراف في عالم متعدد الأقطاب.
بالمقابل ترى واشنطن، وخاصة تحت إدارة ترامب، أن مفاوضات الوقت الضائع مع طهران، إن نجحت فهي تدشن مسار سيكون من الصعب رفض تعميمه من جانب موسكو وبكين وباقي الدول النووية، وفي حال فشلها فإن حاجة دولية ستنشئ لأن تقود بنفسها مسارات انضباط نووي ستأتي بعد سنين من الانفلات غير معروف عواقبه، سيكون من الصعب أن تنأى بكين بنفسها عنه، خاصة مع شروط موسكو الرامية إلى إشراك جميع أعضاء النادي النووي في أي اتفاقيات مستقبلية على نسق نيو ستارت.








