مجلس السلام الترامبي.. الدبلوماسية الدولية لأعلى سعر
دبلوماسية الاشتراكات.. كيف يعيد ترامب هندسة السياسة الدولية على أطلال الأمم المتحدة
لا تتوقف التحولات الترامبية عند التهديد بالقوة المباشرة تطرفاً مثل الأسلحة النووية، ولكن تجمع تناقض يتغذى على دوافع وأحلام شخصية أقلها نوبل للسلام، ليعيد هندسة الدبلوماسية الدولية وفق مخيلة شديدة الضحالة والنزق لساكن البيت الأبيض ومن حوله.
هذه التحولات المقتبسة من عالم رواد المال والأعمال والإعلام على أفضل حال، يتم فرضها حالياً على السياسات الدولية بكل مساراتها، لتصبح مرآة لمجريات الاستقطاب الداخلي الأميركي؛ حيث ارتباط السابق داخلياً بشطحات خارجية، أخرها تدشين «مجلس السلام» كمسار جديد للدبلوماسية الدولية، يمكن تسميته بدبلوماسية الاشتراكات المدفوعة مسبقاً.
يأتي المجلس كتطبيق للمقترح المنبثق من العشرين نقطة التي “أوقفت” الحرب في قطاع غزة، والذي قوبل بطيف واسع من ردود الأفعال الدولية والأممية والداخلية في واشنطن منذ سبتمبر ،2025 ليتم تدشينه قبل أيام على لسان ترامب في مؤتمر إعلامي حضره ممثلون للدول المشاركة به، حدد خلاله ملامح أساسية لـ«مجلس السلام» وميزانياته وأدواره وشروط عمله والانضمام له، الذي وصفه قبل أسابيع بـ “أهم وأعرق وأعظم مجلس يتم تشكيله في أي مكان وزمان”، مرجحاً أن يكون “بديل” للأمم المتحدة.
قراءة في خلفيات ومنطلقات «مجلس السلام» الأميركية والترامبية
ليس بالجديد على ترامب ضربه بالتزامات ومعاهدات دولية وأممية عرض الحائط منذ دخوله البيت الأبيض أول مرة 2017، ولكن الجديد في فترته الثانية، تكريس السابق كمنهج مستدام لسياسة واشنطن الخارجية وليس اجراء عابر؛ فبداية من يناير الماضي، أعلن انسحاب بلاده من 66 منظمة واتفاقية، واصفاً إياها بأنها “مبذرة، غير فعالة، وضارة لمصالحنا”.
تشير شمولية الانسحابات الترامبية، التي تضم 31 كياناً تابعاً للأمم المتحدة، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وغيرها من الاتفاقيات والمعاهدات متعددة المجالات، أن ما حدث خلال ولايته الأولى مجرد إحماء مقارنة مع ما يحدث مؤخراً؛ حيث اعتبار السابق مجرد بداية لإعادة هندسة النظام الدولي، وإن تعلقت الدوافع بالأساس بحسابات سياسية داخلية، تجاوزت فترته الأولى بمنطق ضبط حسابات سوق الطاقة ومستثمريها على سبيل المثال لا الحصر، إلى أفق إمبراطوري حيث توريط العالم ومستقبل الحضارة البشرية ككل في حسابات داخلية وحتى شخصية.
هذه الانسحابات تستند لقناعة غالبية التيارات المؤيدة لترامب، الذي يرى أن هذه المنظمات تحولت إلى منصات لترويج “أكاذيب وأجندات مناخية واقتصادية، تدفع نحو بيروقراطية عالمية تقيد النمو الاقتصادي الأمريكي. وهو بالنسبة له ولمن يؤيده من نُخب وكيانات سياسية/اقتصادية أميركية عابرة للقارات، تفرض عليهم التسريع بالعودة إلى عالم تحكمه المصالح القومية الصلبة والمنافسة الجيوسياسية المباشرة، التي يروا أنها عودة تعطلت بعد الحرب العالمية الثانية أو بالحد الأدنى بعد انتهاء الحرب الباردة.
استلزم السابق تطبيق إدارة ترامب مبدأ “التناسب بين الدفع والتحكم” (Paid Control). فمن غير المقبول في نظرها أن تساهم الولايات المتحدة بنسبة 22% من ميزانية الأمم المتحدة بينما يمتلك أعضاء آخرون لا يساهمون بشيء سلطة مساوية في التصويت أو القدرة على عرقلة الأجندة الأمريكية. إذا لم يمنح النظام الدولي الولايات المتحدة نفوذاً يوازي مساهمتها المالية على مدار العقود الماضية، لذلك فإن الخيار الترامبي هو “خلق البدائل” أو “تسييل” المؤسسات القائمة وتحويلها إلى أندية خاصة للمشتركين بمقابل مادي.
يبرز هنا مجلس السلام كنموذج أولي لهكذا بدائل، فهو ليس منظمة عالمية مفتوحة للجميع، بل هو نادٍ سياسي حصري مدفوع الاشتراك، نابع من خلفيات متأصلة في الثقافة الأمريكية المتعلقة بالجمعيات التطوعية والنوادي الخاصة التي تعود للقرن التاسع عشر، ويرجعها آخرون إلى ما قبل ذلك حتى حرب الاستقلال، التي بدأت بإعلان بوسطن الصادر عن تجمع/نادي/حزب الشاي.
فتاريخياً، اعتمد الأمريكيون على “الجمعيات العضوية التطوعية” لبناء رأس المال الاجتماعي والسياسي خارج إطار الحكومة المركزية، سواء “نوادي المطالبات” (Claim Clubs) في المناطق الحدودية التي كانت تنظم ملكية الأراضي وتنفذ القانون بالقوة المباشرة -تاماني هول” (Tammany Hall) كمثال- عبر آلية سياسية تجمع بين النفوذ التجاري والولاء السياسي وأحياناً العسكري.
نجد هنا أن ترامب يعيد إحياء هذا النموذج على المستوى الدولي بتطويره ظاهرياً؛ حيث تتحول التجمعات متعددة الأطراف ذات المصالح المشتركة، من حق عام للجميع، إلى خدمة مدفوعة تقتصر على من يلتزم بشروط تجمع وبروتوكولاته التنظيمية، بشكل ولغة ومصطلحات تنتمي للقرن الواحد وعشرين والمرحلة المتأخرة من الرأسمالية المأزومة.
يغير هذا النموذج مفهوم الاستدامة السياسية؛ فبدلاً من الالتزام بمعاهدات طويلة الأمد، يصبح البقاء في مجلس السلام مرتبطاً بـتجديد الاشتراك والولاء المستمر لأشخاص وليس منظومة قانونية بأي شكل، وهو ما حدا ببعض المختصين بوصف السابق بأنه تحول يتجاوز حتى “الدبلوماسية القائمة على الصفقات“ (Deals-based Diplomacy)، حيث تشتري الدول نفوذها وتأمينها بشكل دوري، تماماً كما يشترك الأفراد في منصات البث الرقمي -مثل نتفليكس- وغيرها من خدمات الدفع المسبق.
ما يتجاوز تسليع السياسات.. استبدال المنظومة الدولية بـ”الاشتراكات”
يتضح هنا أن السابق ليس مجرد مبادرة دبلوماسية عابرة بل تحول جذري يحمل في طياته إعادة إنتاج لشكل وآليات النظام الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذي نظمته وأشرفت عليه واشنطن واستفادت منه لحوالي ٨ عقود بشكل نسبي، نحو مسارات جديدة قد تكون بداية لتكتلات سياسية قائمة على الاشتراك المدفوع، والتفاهمات/الطموحات الشخصية، ومنطق من يدفع يشارك ويقرر على قدر ما دفعه، بينما تتخبط الأمم المتحدة التي تشهد منذ سنوات أسوأ أزمة مالية في تاريخها، ليطل علينا مجلس ترامب وكأنه بديل جاهز جديد قد يشكل بديل مربح ومريح عن إصلاح المنظمة الأممية.
السابق قد يفسر بمكان ما، أمتناع كل من روسيا والصين عن التصويت في نوفمبر الماضي على خطة العشرين نقطة التي تم إقرارها في مجلس الأمن عبر قرار 2803، فُسر وقتها على أنه تحفظ من جانب البلدين وغيرهم على أن يكون القرار الأممي بداية النهاية لأحد أبرز أدوار الأمم المتحدة ومجلس الأمن، واستبدالهم بأفكار ترامب ولاحقاً مجلسه، الذي بدا أن الأضداد الدولية – فرنسا ألمانيا من جهة وروسيا من جهة- قد توافقوا على رفضه أو بالحد الأدنى التحفظ على طريقة عمله وتأسيسه، وخاصة مع استئثار ترامب بها بشكل شبه احتكاري، وانحسار دور المشاركين فيه لأدوات تنفيذية مشروطة بمساهمة كل عضو مفترض في المجلس برسوم عضوية مبدئية قدرت بمليار دولار، أو ما يوازيها من أعباء، لمدة 3 سنوات قابلة للزيادة والتمديد.
والأخطر في سياقنا هنا، هو الانحدار الجديد الذي طرأ على سُمىَ بتسليع السياسات؛ حيث تجاوز الأمر مصطلحات تقليدية مثل المال السياسي ودوره في تدوير فساد وعوار المنظومة الدولية المعتادة متجسدة في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، إلى تسليع الدبلوماسية ككل عبر اشتراك المليار دولار، وهو ما يعني أن الدول الصغيرة الفقيرة التي كانت تبيع موقفها وتصويتها الأممي نظير أموال ومساعدات واستثمارات، أصبحت خارج حسابات الدبلوماسية الترامبية.
أتاح فشل الأمم المتحدة في إيقاف حرب غزة — بفعل الفيتو الأمريكي نفسه — الفرصة لترامب تقديم مجلسه لا كمبادرة دبلوماسية عادية، بل كبديل هيكلي للمنظومة الدولية برمتها. واحتمالية استبدال الأمم المتحدة وهيئاتها المعنية بمشروع قائم على الاشتراكات المدفوعة والعلاقات الشخصية ومنطق من يدفع يشارك في صنع القرار. وذلك بموازاة تعثر غير مسبوق للمنظمة الأممية، ليس فقط في تحلل أدواتها الدبلوماسية والقانونية، ولكن أيضاً الموارد والقدرات التي من شأنها دفعها للاستمرار من عدمه.
تحويل الإبادة لفرصة استثمارية
اعتبار قرار مجلس الأمن سابق الذكر من جانب ترامب وفريقه تفويضاً ليس فقط لوقف الحرب وإعادة إعمار القطاع وفق تصورات وخطط مبتسرة متوسطة وطويلة الأمد، ولكن أيضاً تدشين السابق كدليل استرشادي لاحتمالية تمدد صلاحيات وأدوار مجلس السلام لحل وإدارة النزاعات والصراعات العالمية وليس الشرق الأوسط، وهو ما جاء في بيانه التأسيسي وتكرر على لسان ترامب قبل أيام بوصفه بديل محتمل للأمم المتحدة.
ويعني أيضاً أن الإبادة في غزة كانت الفرصة المنتظرة لبلورة هكذا مقترح وتدشينه والدفع به نحو التنفيذ على النحو السابق ذكره، كتجسيد لتوجهات التيار الحامل-بمختلف تراكيبه- لظاهرة ترامب في الداخل الأميركي طيلة عقود ماضية، وليس وليد حرب الإبادة الحضرية أخر عامين، وترجع بالحد الأدنى لفترة ما بعد الحرب الباردة إن لم تكن الحرب العالمية الثانية.
نجد هنا أن المسار البادئ ببرنامج العشرين نقطة والتصويت عليه في مجلس الأمن، ثم مقترح مجلس السلام المنبثق عنه مجلس إدارة غزة وصولاً للجنة الوطنية -شعار وتسميه تغضب نتنياهو- المعنية بتنفيذ باكورة أفكار المجلس الترامبي واعضاؤه على أرض الواقع، لم يكن بهدف وقف الإبادة، بل أنها شكلت فرصة ليس فقط لشرعنة تسييل وإزاحة مؤسسات الأمم المتحدة، بل أيضاً إعادة تشكيل النظام الدولي ككل وفق أهواء شخصية وليس حتى مصالح وطنية انعزالية مضادة للعولمة.
فبداية من تخفيض الإنفاق الحكومي الذي بدأه ترامب منذ ولايته الأولى، واستئنافه بشكل مضاعف منذ بداية ولايته الثانية، تحت شعار أميركا أولاً، حيث تقليص وإلغاء ميزانيات المؤسسات والهيئات الأميركية الحكومية فيما يتعلق بالخارج، وفي القلب منها النفقات الأميركية المساهمة في الأمم المتحدة والناتو على حد سواء، وتفعيل مقولة A le carte المقتبسة من مجال الفنادق والمنتجعات فيما يخص الإنفاق وفق الطلب وليس وفق ميزانية معتمدة مسبقاً.
يمتد هذا لتسيد أميركي كامل للقرار الدولي، وتعزيز أحادية القطب، وهو ما يتم المناداة به من جانب معتبر من النخب الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة ببدائية المنتصر يحصد كل شيء. وصولاً لارتباط المسار الترامبي السابق بتيار الانعزالية الأميركية سواء بصيغته التقليدية متجسد في مبدأ مونرو وتفرعاته، أو تطويره ترامبياً لما سُميَ بمبدأ “دونرو”، حيث الانسحاب من معاهدات واتفاقيات دولية وأممية كتخفيف من حمولة زائدة، يتبعها تحولات أشمل أقلها منع أي تواجد من أي نوع لأي قوة كبرى بخلاف واشنطن في النصف الغربي من الكرة الأرضية.
العالم بين التماهي والتجريب والتحفظ
لم تقتصر ردود الأفعال على مجلس السلام الترامبي عند تفاوت ودوافع القبول والرفض والتحفظ والتحمس، بل توسعت لتتبلور في توريط الخارج في سياقات داخلية أميركية، أبرز مثال عليها جاء عبر الكباش اللفظي والاجرائي بين ترامب وماكرون، حيث رفض الأخير للفكرة وتنفيذها، والذي قابله الأول بفرض200% جمارك ورسوم على المنتجات الفرنسية في الأسواق الأميركية، وهو ما تجدد عشية تدشين المجلس بعد حكم المحكمة العليا الأميركية بخصوص قرارات ترامب الجمركية على مدار أكثر من عام.
يدل هذا الكباش كمثال، أن هناك توجس أوربي ودولي يجمع حتى الأضداد-روسيا وألمانيا وفرنسا كمثال-، وإن اختلفت الدوافع والتفاعل معه، نابع من عدم وضوح كيفية عمل واستدامة مجلس السلام الترامبي، كذلك إدارته وتنفيذ القرارات الصادرة عنه ناهيك عن مشروعيتها وموقعها من القانون الدولي والمواثيق الدولية.
كذلك استشعار عدد لا بأس به من القوى الدولية أن هناك دوافع غير معلنة خلف المجلس وطريقة تدشينه عند الإدارة الأميركية الحالية، ما يظهر منها هو توريط العالم في الاستقطاب الداخلي الأميركي، وما يمتد إلى محاولات ترويض وإخضاع متبادلة على دفتي الأطلنطي، تتعلق بالليبرالية الغربية وما بعد العولمة، وتغول الشركاتية على المؤسساتية إلخ من ملامح ما يسميه البعض بـ”ما بعد الدولة“؛ حيث الاعتماد على أفراد -غالباً غير مؤهلين- وليس مؤسسات، وما يتبع ذلك من ارتجال وتخبط وهروب للأمام يليق بسوق المضاربات العقارية وليس القضايا الدولية شديدة التعقيد.
يتجلى هذ في تشكيل وإشكاليات تكوين المجلس التنفيذي لمجلس السلام؛ الذي يجمع أسماء معظمها غير ذي صلة بالسياسة الدولية، ولا يمتلكوا المعرفة ولا الخبرة في إدارة الصراعات الدولية، وغلبة طابع الصفقات العقارية والتجارية والتجريب، ناهيك عن عدم وجود أي تمثيل فلسطيني بينما تم الترحيب بنتنياهو بعد دعوة معلقة لشهور.
يتوسع السابق إلى مسائل أخرى مثل هيكلية القوة سواء داخل المجلس وبين أعضاؤه، وبين المجلس والأمم المتحدة ومنظماتها وهيئاتها؛ حيث يعتمد مجلس ترامب على شخصه كدونالد ترامب وليس رئيس الولايات المتحدة، بما أن ترأسه لمجلسه سيستمر بعد مغادرته للبيت الأبيض، ولا تنتهي إلى باستقالته من المنصب المستحدث أو عجزه الذي يحدد كنهه بإجماع أعضاء المجلس التنفيذي لمجلس السلام الترامبي.
تهميش أم تهويش.. المنطقة كمختبر تجارب
لا تمنع تنويعات المواقف الواردة في الجدول السابق اعتبار الشهر الجاري بداية لاستقطاب جديد من نوعه في السياسة الدولية، يتراوح بين الحفاظ على ما تبقى من فاعلية ومشروعية للأمم المتحدة بإصلاح منظومتها باختلاف الرؤى والدوافع، وبين اندفاعه نحو استبدالها مرة وإلى الأبد مجالس ترامب، حيث استغلال سنوات وجوده في البيت الأبيض لتحصيل ما عجزت المنظمة الأممية عن توفيره.
يشكل هذا اختباراً قد يفوق قدرة ترامب وفريقه على إعادة تشكيل العالم وفق طموح شخصي يهلل له المتحمسين وما يخشاه الرافضين؛ حيث إذا نجح هذا النموذج في الساحة الأصعب، أي الشرق الأوسط، وقضيته الأكثر تعقيداً، أي القضية الفلسطينية، ولو بشكل نسبي، فإن هذا قد يعني توسع وتعميم النموذج الترامبي لحل وإدارة واستثمار الصراعات والخلافات بمستوياتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية على امتداد الخارطة الدولية.
ما يعني أن الاستدامة النسبية التي وفرتها منظومة الأمم المتحدة لأكثر من 80 عام، بقوانين وقرارات ومواثيق واتفاقيات، قد تذهب تدريجياً بلا رجعة، أو بالحد الأدنى تتقزم فاعليتها كمساعد تكميلي وتقني وربما مرجعي غير ملزم، للدول والصراعات التي سيطبق عليها نموذج مجلس ترامب للسلام، الذي يعني بداية ما يمكن تسميته بـ”الشركاتية السياسية“ حيث احتكار رئيس مجلس إدارة واعضاؤه لمسارات حل وإدارة الصراعات الدولية، بشكل حصري ليس لمعظم دول العالم مقعد فيه.
وبالنسبة للمنطقة كسوق/مختبر تجريبي، فأن قطاع غزة والقضية الفلسطينية ككل، والتحييد والتقزيم المستمر لدور الأمم المتحدة المتعلق بها، لا يقتصر فقط على تفعيل وتجريب النموذج الترامبي لتعميمه لاحقاً، ولكن يمتد إلى المسألة الإيرانية بكل مستوياتها، وفي القلب منها الملف النووي، حيث تفضيل ترامب حتى خطاب حالة الاتحاد للدبلوماسية، مع وضع كل الخيارات الفتاكة على الطاولة حال فشلها، وهو ما صاحبه تجاهل لذكر شركاء وحلفاء واشنطن في المنطقة في الخطاب الأطول بين أقرانه من الرؤساء الأميركيين.
السابق يشي بأمرين: الأول أن ترامب يريد ترسيخ أن حل المسألة الإيرانية سيكون بشكل منفرد ولو ظاهرياً وذلك لاعتبارات داخلية متنامية مفادها سطوة ونفوذ إسرائيل نتنياهو على واشنطن ترامب وتحديداً فيما يتعلق بالمنطقة وإيران، وهو ما يحصر دور الشركاء والحلفاء وحتى الأمم المتحدة في أدوار تكميلية، سواء عبر الدبلوماسية أو الحرب؛ فمثلاً قدرة الأمم المتحدة عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على القيام بأدوار تقنية علمية متخصصة لا تتوافر عند أي جهة أخرى، يجعلها منفذ/متعهد وليس واضع سياسات ومشرف على تنفيذها كالمعتاد، مثلما كان الوضع إبان الاتفاق النووي 2015 ومجموعة 6+1.
الأمر الثاني وهو الأهم، تكريس دالة ومؤشر الاعتبارات الداخلية الأميركية، كمحرك لمؤشر ودالة المتغيرات في الشرق الأوسط ولاحقاً العالم، بكل مستوياتها الدبلوماسية والعسكرية وحتى النووية؛ حيث تشكل المسألة الإيرانية وقضايا المنطقة ككل حقل تجريبي سينبثق عنه نموذج استرشادي ترامبي لكيفية إدارة الساحة الدولية في المستقبل المتوسط والقريب، وخاصة في مرحلة ما بعد ترامب، والتي تتساوى فيها الدبلوماسية مدفوعة الاشتراك مع المخاطر النووية، من حيث الدوافع الشخصية والمزاجية وتسليع السياسات وبيعها كمهنة، وليس القوانين والأعراف والمواثيق الدولية الأممية، وهو ما قد يجعل «مجلس السلام» بداية لما يعاكس تسميته.







